Make your own free website on Tripod.com

نفسيته في شعره

الشاعر عمر أبو ريشة شاعر أصيل متمكن في مجال الشعر له أسلوبه المميز والمنفرد ، وله طريقته في الشعر وسمته التي يتميز بها عن غيره من الشعراء فأنت تقرأ قصيدة من شعره تسير على نمط معين ولكنه يفاجئك في أخرها ببيت يختم به قصيدته تلك ويكون هذا البيت خلاف ما تتصور فيكون بيت مفاجأة أو إثارة بالإضافة إلى أن الشاعر يحشد كما هائلا من الصور والأخيلة في قصيدته حتى لكأنك وسط معمعة من المفاجآت والخيالات والظواهر التي لا تتخيلها في الموقف فمثلا في قصيدته اقرئيها تجد :

إنها  حجرتي  لقد صدئ النسيان        فيها    وشاخ   فيها   السكوت
ادخلي بالشموع فهي من الظلمة        وكر    في    صدرها   منحوت
وانقلي    الخطو    باتئاد    فقد        يجفل   منك  الغبار  والعنكبوت
عند كأسي المكسور حزمة أوراق        وعمر     في    دفتيها    شتيت

**********

انظر كيف يقدم لنا الشاعر كما هائلا من الصور والأخيلة والأشباح

صدئ النسيان ، شاخ السكوت ، وكر ، في صدرها منحوت ، يجفل ، الغبار ، العنكبوت ، كاسي المكسور ، حزمة أوراق ، دفتيها ، شتيت.... كلمات تنهال على الخيال فتعيش القصيدة وكأنك تدخل وكرا فيه أشباح وأشياء مرعبة ثم تجده في مجالات أخرى يحلق بنا في الفضاء مع النجوم والشموس والكواكب وكأنما يشعرنا أنه يتطلع إلى الصعود لكن معوقات الواقع تقيده وله نظرة سامية عليا يعبر عنها كثيرا بالنجم والكوكب والشمس والفضاء اقرأ له في عدد من قصائده  :

فكم جبل يغفو على النجم خده            وأذياله للسائما ت وملاعب

وتهاديت كأني ساحب ** مئزري فوق جباه الأنجم

وثبت تستقرب النجم مجالا             وتهادت تسحب الذيل اختيالا

جناحه بعدما طال المطال به ** مخضب من شظايا الشهب منكسر

لأظن جناحي محترقا ** محترقا من لمسة نجمة

وحمائم بيض في اليم ** مدت أجنحة للنجم

ما بعدك يا أفقي الأعلى ** دنياي توارت في العتمة

قدم تجرح أحشاء الثرى ** وفم يلثم خد الفرقد

وتناقلت آيات رحمتها شفاه الأنجم

************

كلمات كلها تتعلق بالسماء وكأنما تعبر لنا عن نفسية الشاعر الذي عاش يبحث عن الرقي والكمال والرفعة والعلو فهو صاحب همة عالية وارتقاء في الفكر والسلوك لا يرضى بالوضيع بل يحب ان يجلس عاليا رغم كل شيء وعلى الرغم مما عاناه هذا الشاعر من معوقات ومن متاعب جنتها عليه همته العالية إلا انه ظل كذلك إلى أن مات مرفوع الرأس اقرأ قوله:

عشت حرا بلغت جنة دنياي** وجفني بنورها اكتحلا

إنها نعمة أقطع فيها ** العمر مستغفرا ومبتهلا

اعف عني يارب بدل همومي** فلقد عشت مرة رجلا

*********

أيضا نجد في شعر الشاعر نبرة الفخر والاعتزاز بالنفس والثقة ولا نستغرب في رجل لم يفتأ يتجرع غصص المجد ليصل إلى مبتغاه ولو خذلته الدروب ولكنه بذل من  أجلها الكثير فاستطاع أن يصل إلى الكثير مما تمناه ولو لم يستطع الإتمام إلا أنه لم يكن محابيا ولو حابى لاستطاع الوصول  لكن طموحة أبى عليه وتألقه منعه من أن يصل بالتنازل عن مبادئه التي يؤمن بها فرضي أن يظل حسب ما أمكنه مع الاحتفاظ بكرامته التي يراها أعز ما لديه وما أغلى الكرامة ، بل ربما يرفض المجد إن كان بطريقة غير مشروعه يقول:

ما أرخص المجد إذا زارني                  ولم يكن لي معه موعد

وهي نظرة تخصه كما قال البارودي قبله :

أسير على نهج يرى الناس غيره            لكل امرئ فيما يحاول مذهب

ولذا تجد تشابها بين الرجلين في نظرتهما للحياة ، ولمكاسبها ولذا كان البارودي وأبو ريشة يدفعان ثمن إبائهما غاليا لكنهما نفذا رغبتيهما بثمن باهض، وعاشا وهما يعانيان نتيجة الرفض والإباء ولكل ثمن ،  يعبر عنه امرؤ القيس عندما بكى صاحبه وهما مسافران طلبا للملك  :

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه               وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

فقلت له لا تبك عينك إنما                    نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

إذن،أشعرُ أن أبا ريشة عاش غريبا ومات غريبا حفاظا على مبدإٍ اعتقده فعبر عن ذلك في شعره :

أتكلم ما ذا أتكلم

أقلامي جف عليها الدم

ولهاتي سالت في المأتم

أتكلم ؟ هل أحمل في صدري أسرار

أخشى أن تفشى أو تكتم

إني لا احمل غير العار

في الدرب الموحش والمبهم

إني غنيت إلى الآلام فكيف عليها أتألم

أتكلم ، أعرفني شبحا لا ظل له فوق الأرض

في الهدأة من غصص الذكرى

يتساءل بعضي عن بعض

فأغض واختصر الآلام وأمسك بالريح وأمضي

**********

وهكذا مضى عمر وهو لا يمسك بشي إلا بكرامته ورفعة نفسه وإبائه وكفاه ذلك 0

                                                                            كتبه / أحمد بن ناصر الرازحي

alrazhi2@hotmail.com 

 

لمراسلة صاحب الموقع اضغط 

alrazhi2@hotmal.com

 

                                                                                                                                      عودة إلى موقع الرازحي